سيد محمد طنطاوي

13

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

صرف عن الرشاد وعن الخير صرفا ، ليس هناك ما هو أشد منه في سوء العاقبة . فهذا التعبير شبيه في التهويل بقوله - تعالى - : فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ . قال الجمل : * ( يُؤْفَكُ ) * يصرف * ( عَنْه ) * عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم والقرآن الكريم . أي : عن الإيمان به * ( مَنْ أُفِكَ ) * أي : من صرف عن الهداية في علم اللَّه - تعالى - . وقيل : الضمير للقول المذكور . أي : يرتد ، أي : يصرف عن هذا القول من صرف عنه في علم اللَّه - تعالى - وهم المؤمنون « 1 » . ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة المكذبين فقال : * ( قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ . الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ ساهُونَ . يَسْئَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ . يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ ) * . والخراصون : جمع خرّاص ، وأصل الخرص : الظن والتخمين ، ومنه الخارص الذي يخرص النخلة ليقدر ما عليها من ثمر ، والمراد به هنا : الكذب ، لأنه ينشأ غالبا عن هذا الخرص ، والمراد بالآية الدعاء عليهم باللعن والطرد من رحمة اللَّه - تعالى - . أي : لعن وطرد من رحمة اللَّه - تعالى - هؤلاء الكذابون ، الذين قالوا في الرسول صلى اللَّه عليه وسلم ما هو منزه عنه . . . والذين هم * ( فِي غَمْرَةٍ ساهُونَ ) * أي : في جهالة تغمرهم كما يغمر الماء الأرض . فهم ساهون وغافلون عن كل خير . فالغمرة : ما يغمر الشيء ويستره ويغطيه ، ومنه قولهم : نهر غمر ، أي : يغمر من دخله . والمراد : أنهم في جهالة غامرة لقلوبهم . وفي غفلة تامة عما ينفعهم . وهذا التعبير فيه ما فيه من تصوير ما هم عليه من جهالة وغفلة ، حيث يصورهم - سبحانه - وكأن ذلك قد أحاط بهم وغمرهم حتى لكأنهم لا يحسون بشيء مما حولهم . ثم بين - سبحانه - ما كانوا عليه من سوء أدب فقال : * ( يَسْئَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ ) * . و « أيان » بمعنى متى . أي : يسألون سؤال استهزاء واستخفاف فيقولون : متى يكون هذا البعث الذي تحدثنا عنه يا محمد ، ومتى يوم الجزاء والحساب الذي تهددنا به ؟ وهنا يأتيهم الجواب الذي يردعهم ويبين لهم سوء مصيرهم . فيقول - سبحانه - : * ( يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ ) * أي يقع هذا اليوم الذي تسألون عنه وهو يوم البعث والحساب والجزاء . . . يوم تحرقون بالنار - أيها الكافرون - ، وتعذبون فيها عذاب أليما . و « يفتنون » مأخوذ من الفتن بمعنى الاختبار والامتحان ، يقال : فتنت الذهب بالنار ، إذا

--> ( 1 ) تفسير الجلالين وحاشيته ج 4 ص 202 .